إدارة النفايات الصناعية: استثمار مهم في الاستدامة
ففي عام 2020 تم إنتاج حوالي 2.24 مليار طن من النفايات حول العالم، ومن المتوقع أن ترتفع كميات النفايات المُنتجة بنسبة 73% في عام 2050. وتعد النفايات المحلية والنفايات الصناعية أكثر أنواع النفايات شيوعًا، والتي تتسبب في إنتاج ملوثات تشمل المواد الكيميائية ومسببات الأمراض والإشعاعات والمعادن الثقيلة والمواد السامة الأخرى، مما يؤدي إلى تلويث البيئة، وبالتالي تدمير المواطن الطبيعية والتأثير سلبًا على صحة الإنسان.
قد يؤدي استهلاك المواد دون الالتزام بمبادئ الاقتصاد الدائري إلى استنزاف الموارد الطبيعية بشكل سريع، فبتدهور النظم البيئية في العالم بنسبة 60% أو الاستخدام غير المستدام لها، وسنحتاج لحوالي ضعف الموارد الموجودة على الأرض للحفاظ على نشاط اقتصادي فعّال بحلول عام 2050. ولذلك يجب علينا الاستثمار في استراتيجيات إدارة النفايات وتقليل النفايات لمواصلة مسيرة التقدم والنمو.
تنتج الدول ذات الدخل المرتفع أكبر قدر من النفايات الصناعية، ففي عام 2018 جمعت الإمارات العربية المتحدة 39.188 مليون طن من النفايات، بينما أنتجت دولة الكويت 37-43 مليون طن من النفايات في 2018، لتحتل المرتبة الرابعة بين 23 دولة من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لإنتاجها أكبر كم من نفايات البناء والهدم لكل فرد، بينما كانت في 2018 تعيد تدوير 4.8 مليون طن من النفايات فقط، والذي يشكل 11% من إجمالي النفايات، والتخلص من حوالي نصفها في المرادم غير المُنظمة.
وتنتج المملكة العربية السعودية حوالي 53 مليون طنٍ من النفايات سنويًا، وأغلبها مصدرها قطاع البتروكيماويات. كما تم تسجيل 875,000 طنٍ من النفايات الصناعية في عام 2020، ويُتوقع أن يتم تسجيل 975,000 طنٍ في عام 2030. وتتخلص الرياض وحدها من 13,300-16,000 طنٍ في المرادم يوميًا، حيث يتم حرق 6% منها، وينتج عن ذلك غاز ثاني أكسيد الكربون والروائح الكريهة. كما يتم إعادة تدوير 1% فقط منها، على الرغم من أن 40% منها قابل لإعادة التدوير.
وتشكل نفايات البناء والهدم أكبر نسبة من النفايات المُنتجة في أوروبا والتي تبلغ 35% من إجمالي النفايات ويُنتج منها 450-500 مليون طن سنويًا. أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فقُدّرت نفايات البناء والهدم بـ 600 مليون طن في 2018، وذلك أكثر من ضعف نسبة النفايات المحلية الصلبة التي تتشكل من الخرسانة والخشب والزجاج والمعادن والبلاستيك. وقد تشكل بقايا الخرسانة 40%-85% من إجمالي تلك النفايات.
يكمن في عملية إعادة تدوير الخرسانة بعض الصعوبة، فينتج عنها بقايا خرسانة ذات فائدة محدودة، ولذلك لا يُستفاد منها تجاريًا. بينما تضاعف إنتاج الفولاذ عالميًا ثلاث مرات خلال الـ 50 عامًا الماضية ليصل إلى 1.86 مليار طن في عام 2020. ومع الاستنزاف السريع لخام الحديد، أصبحت عمليات إعادة تدوير الفولاذ والمصادر البديلة أحد الحلول الفعّالة. كما يعد الطين الأحمر -كونه يحتوي على كميات كبيرة من الحديد- منتجًا ثانويًا قيّمًا من النفايات الصناعية، وهو مصدر للحديد منخفض الجودة وعناصر الأرض النادرة. ويتم إنتاج الطين الأحمر بكمية 150 مليون طن/سنويًا حول العالم، ويدخل 4.6 مليار منه في احتياطي النفايات.
كما تتواجد النفايات الصناعية في الحالات السائلة التي تنتج أغلبها من قطاع النفط والغاز، وتشمل سوائل الحفر ومياه الصرف الصحي من مصافي النفط والحمأة الزيتية. وتحتوي الحمأة الزيتية على العديد من المواد القيّمة التي يمكن عرضها في السوق مرة أخرى أو إعادة استخدامها، وبالتالي تعزيز مبادئ الاقتصاد الدائري. كما يمكن إعادة تدويرها بفاعلية، فيتم إعادة تدوير 80% من نفايات الحمأة في الولايات المتحدة سنويًا.
إلى جانب قطاعات البناء والنفط والغاز، يُنتج قطاع التعدين أيضًا كميات كبيرة من النفايات السائلة والصلبة بقدر +100 مليار طن/سنويًا حول العالم. فتتسبب ممارسات التعدين بتلوث الهواء (الغبار والغازات) والتربة (الترشيح) والماء (تصريف الأحماض).
كما أصبحت عمليات دفن النفايات أحد أكثر الممارسات شيوعًا للتخلص من النفايات. فبلغت في عام 2010 نسبة 35% في أوروبا، إلا أنها لا تعد عملية مستدامة، حيث أن المرادم المُنظمة تبقى صالحة للاستخدام لمدة 50-100 عام. ويمكن تمديد هذه الفترة من خلال المعالجة المسبقة للنفايات أو أنظمة المفاعلات الحيوية. كما أن الحرق العشوائي للنفايات هو الأسلوب المستخدم لحوالي 41% من عمليات التخلص ومعالجة النفايات حول العالم، وبإعادة تدوير 1/4-1/3 من النفايات المحلية الصلبة والنفايات الصناعية.
يساهم الاستثمار في مختلف أساليب إدارة النفايات الصناعية المبتكرة في بناء مستقبل مستدام، فتتضمن هذه الأساليب طرق وتقنيات جديدة. حيث بنى المهندسون حديثًا مفاعلات شمسية قادرة على إنتاج الهيدروجين من ضوء الشمس والماء وجمع مواد النفايات من الجو لإعادة استخدامها. وبظهور مبادرات كرؤية المملكة 2030 أو أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، أصبحت الكثير من الدول تبحث عن أساليب مبتكرة مشابهة لحل أزمات النفايات الصناعية.
و من جهته يؤكد طلال الدوسري، رئيس استدامة للخدمات البيئية والصناعية أن " الوقت قد حان لنولي الأهمية لمبادئ إدارة النفايات والاقتصاد الدائري، فمن خلال تقليل الهدر وإعادة استخدام الموارد وإعادة تدوير المواد، يمكننا بناء مستقبل أكثر نظافة. لنشجع على التغيير ولنكون مثالًا يحتذى به من قبل الآخرين، ولنترك إرثًا من المسؤولية البيئية للأجيال القادمة".