إدارة النفايات: الفارس المجهول في مساعي لارتقاء بالمسؤولية الاجتماعية للشركات
لم يعد الحديث عن المسؤولية الاجتماعية للشركات أمرًا نظريًا بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من واقعها، لتشمل الممارسات التجارية التي تُعنى بالقضايا الاجتماعية والبيئية وتسعى لتحقيق الرفاهية في المجتمع.
تعاظمت أهمية المفهوم في عام 2008 بعد أن نشر جون روغي، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المعني بالأعمال التجارية وحقوق الإنسان، الهيكل التنظيمي لإنفاذ مسؤوليات حقوق الإنسان على الشركات. ففي يونيو 2011، أقر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الهيكل التنظيمي المعروف بعنوان: "الحماية ﻭﺍﻻﺣﺘﺮﺍﻡ ﻭﺍﻹﻧﺼﺎﻑ"، الذي بات يُعرف باسم الهيكل التنظيمي لروجي، ويضمن ظروف عمل مناسبة، وعلاقات مجتمعية جيدة، وانعدام الفساد والمشاكل البيئية. وهكذا تطورت المسؤولية الاجتماعية للشركات إلى وسيلة للشركات للانخراط في أنشطة تحقق الربح مع إدراك عواقبها على البيئة وحقوق العمال والمستهلكين ومساهمتها في القضايا الاجتماعية مثل الفقر أو الرعاية الصحية.
فإدارة النفايات الفعالة هي طريقة مباشرة للشركات لإظهار التزام المؤسسات بالمسؤولية الاجتماعية للشركات. يمكن وصف نفايات الشركات بأنها منتجات ثانوية لأنشطتها التجارية الجوهرية ذات قيمة ضئيلة أو معدومة. لا تمثل مواد النفايات هذه خسارة في الموارد والمال فحسب، بل تضم سمات أخرى غير مرغوب فيها. حيث ليس من العملي تخزينها من جهة ومن جهة أخرى فهي تشغل مساحة وتؤدي إلى التلوث وتدمير الموائل. من جهة أخرى قد تتسبب بالمزيد من المشاكل للمجتمع، مثل الروائح الكريهة وتفشي الحشرات. علاوة على ذلك، يمثل يتسبب عدم إعادة تدوير تلك النفايات بخسائر مالية وتشغيلية.
لذلك تؤدي إدارة النفايات إلى تحقيق غرضين مهمين ضمن المسؤولية الاجتماعية للشركات، إذ تُعنى بتحقيق الرفاهية المجتمع وحماية البيئة. ومن خلال تنفيذ ممارسات إدارة النفايات المسؤولة، يمكن للشركات تقليل بصمتها البيئية، ورفع جودة الحياة للمجتمعات المحلية. لذلك يجب على المنظمات الإبلاغ بانتظام عن النفايات كجزء من مؤشرات الأداء الرئيسية الخاصة بها، بصفتها كمواطن مسؤول في المجتمع. تتبع تقارير الاستدامة عادة إطار محاسبي ثلاثي يُعني بالكوكب والناس والبيئة في هيكلة محتواها. وعادة ما يتم تصنيف نتائج الشركات إلى أقسام المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة، ويمكن أيضًا تصنيف العوامل المؤثرة في الإبلاغ إلى ثلاث فئات: القانونية والاقتصادية والتقليدية.
وتشير العوامل القانونية إلى الإفصاح الذي تفرضه السلطات التنظيمية. وترتبط الدوافع الاقتصادية بنظرية الشرعية، حيث لا يوجد مُبرر لبقاء الشركات إذا لم يكن لها أثر مباشر وإيجابي في المجتمع. فإذا كان تأثيرها الاجتماعي يهدد رفاهية السكان، فهناك سبب اقتصادي لتنفيذ الإجراءات المستدامة والكشف عنها لضمان استمرارية العمليات.
وأخيرًا، يرتبط المُحرك التقليدي بالنظرية المؤسسية، التي تقترح أن سلوك الشركات يتشكل أيضًا وفق الأعراف الاجتماعية، أو القيم المؤسسية، أو ضغط الأقران. ومن المُسلم به على نطاق واسع أن الشركات التي تعطي الأولوية للمسؤولية الاجتماعية للشركات تكتسب ثقة وحسن نية عملائها ومستثمريها وأصحاب المصلحة، مما يجعل المحرك التقليدي مُحركًا مهمًا للغاية. في أوروبا، لطالما تم الاحتفاء بالمؤسسات بسبب "المسؤولية الاجتماعية الضمنية للشركات" حتى قبل التفاعل مع المفهوم بشكل صريح. لذلك كلف البرلمان الأوروبي مفوضية الاتحاد الأوروبي بوضع مبادئ توجيهية غير مُلزمة بشأن المعلومات غير المالية التي ينبغي الكشف عنها من قبل "كيانات المصلحة العامة" الكبيرة العاملة داخل الاتحاد الأوروبي.
كما يتم اتخاذ قرارات الاستثمار بشكل متزايد مع وضع العوامل البيئية والاجتماعية والحوكمة في عين الاعتبار حتى أصبح الاستثمار الخاص به نوعًا من الاستثمار المسؤول. في حين أن النماذج السابقة أزالت الشركات و/ أو القطاعات من محافظها الاستثمارية، لأنها تتعارض مع القيم الاجتماعية أو الأخلاقية للعميل، فإن الاستثمار في هذا المجال يتخذ نهجًا أكثر استباقية فيما يتعلق بالاستدامة طويلة الأجل. وقد حفز هذا التحول السعي لتحقيق مكاسب مالية مُعززة على المدى الطويل وتطلع قوي للتوافق مع المبادئ الأخلاقية، سواء الوطنية مثل رؤية المملكة 2030، أو الدولية (مثل أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة). يوفر تسجيل وإعداد تقاريرESG رؤى مهمة حول إدارة الشركة ومرونتها مع السعي إلى خلق قيمة طويلة الأجل. وبالتالي، تميل الشركات التي تتفوق في هذه المجالات إلى جذب المزيد من المستثمرين ولديها ميزة تنافسية.
فكما يقول أحد مدراء المشاريع لدينا، المقداد البشير: "يخطئ الأفراد عندما يظنون أن المسؤولية الاجتماعية للشركات تقتصر على الأعمال الخيرية والعمل الخيري، فهي تشمل أكثر من ذلك بكثير. إذ يمتد المفهوم إلى كيفية تعامل الشركة مع موظفيها وتفاعلها مع المجتمع، وضمان علاقات الموردين الأخلاقية، وصولا إلى إدارتهم للنفايات".
فمع استمرار تحول مشهد لمسؤولية الشركات، تبرز أهمية الالتزام بالمعايير البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات وإدارة النفايات في تحقيق النمو المجتمعي والاقتصادي. وترتبط امتيازات المسؤولية الاجتماعية للشركات بالإجراءات الملموسة، مما يعزز الحوكمة القوية والتقدم المستدام.